الشيخ محمد علي السايس
26
تفسير آيات الأحكام
هبيرة : لست أقتلها إلا تغريقا . قال : فأخذ رحى البزار ، فشدّها في رجلها ، وقذفها في الفرات ، فقامت فوق الماء مع الحجر ، فجعلت تنحدر مع الماء ، فخافوا أن تفوتهم ، فقال ابن هبيرة : من يمسكها ، وله كذا وكذا ؟ فرغب رجل من السحرة كان حاضرا فيما بذله . فقال : أعطوني قدح زجاج فيه ماء ، فجاءوه به ، فعقد على القدح ، ومضى إلى الحجر ، فشق الحجر بالقدح ، فتقطّع الحجر قطعة قطعة ، فغرقت الساحرة فيصدقونه . ومن صدق هذا فليس يعرف النبوة ، ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء عليهم السلام من هذا النوع : وأنهم كانوا سحرة . وقال اللّه تعالى : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [ طه : 69 ] وقد أجازوا من سحر الساحر ما هو أعظم من هذا وأفظع . وذلك أنهم زعموا أن النبي عليه الصلاة والسلام سحر ، وأن السّحر عمل فيه حتى قال : « إنه يخيل إلي أني أقول الشيء وأفعله ، ولم أقله ولم أفعله » وأن امرأة يهودية سحرته في جفّ « 1 » طلعة نخل ذكر ومشط ومشاقة « 2 » ، حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة ، وهو تحت راعوثة البئر « 3 » ، فاستخرج ، وزال عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك العارض « 4 » . وقد قال اللّه تعالى مكذّبا للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال جل من قائل : وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [ الفرقان : 8 ] . ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعّبا بالحشوية الطغام . واستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام ، والقدح فيها . وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة ، وأن جميعه من نوع واحد . والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم ، وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى : وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [ طه : 69 ] فصدّق هؤلاء من كذّبه اللّه ، وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله . وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها ظنا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد قصدت به النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . فأطلع اللّه نبيّه على موضع سحرها ، وأظهر جهلها . فيما ارتكبت وظنت . ليكون ذلك من دلائل نبوته ، لا أنّ ذلك ضرّه وخلّط عليه أمره . ولم يقل كل الرواة : إنه اختلط عليه أمره ، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له . والفرق بين معجزات الأنبياء عليهم السلام وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات ،
--> ( 1 ) الجفّ : الغشاء الذي يكون على الطلع ، انظر لسان العرب لابن منظور ( 9 / 28 ) . ( 2 ) المشاقة : هي المشاطة ، انظر لسان العرب لابن منظور ( 10 / 345 ) . ( 3 ) راعوثة هو حجر يوضع على رأس البئر يقوم عليه المستقي . ( 4 ) رواه البخاري في الصحيح ( 7 / 38 ) ، 76 - كتاب الطب ، 49 - باب هل يستخرج السحر حديث رقم ( 5765 ) ومسلم في الصحيح ( 4 / 1719 ) ، 39 - كتاب السلام ، 17 - باب السحر حديث رقم ( 43 / 2189 ) .